مجمع البحوث الاسلامية

71

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

حتّى لقب رسول اللّه الّتي يلي اسم محمّد صلّى اللّه عليه وآله الكريم . وقبلوا بالعودة إلى المدينة من الحديبيّة دون أن يستجيبوا لهوى عشقهم بالبيت ، ويؤدّوا مناسك العمرة . ونحروا هديهم خلافا للسّنّة الّتي في الحجّ أو العمرة في المكان ذاته ، وأحلّوا من إحرامهم دون أداء المناسك . أجل لقد رضوا بأن يعضّوا على الأكباد ، وأن يصبروا إزاء كلّ المشاكل الصّعبة ، ولو كانت فيهم حميّة الجاهليّة لكان واحد من هذه الأمور الآنفة كفيلا أن يشعل الحرب بينهم في تلك الأرض . أجل إنّ الثّقافة الجاهليّة تدعو إلى الحميّة والتّعصّب والحفيظة الجاهليّة ، غير أنّ الثّقافة الإسلاميّة تدعو إلى السّكينة والاطمئنان وضبط النّفس . ثمّ يضيف القرآن في هذا الصّدد قائلا : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها . كَلِمَةَ التَّقْوى هنا معناها روح التّقوى . ومعنى الآية أنّ اللّه ألقى روح التّقوى في قلوب أولئك المؤمنين ، وجعلها ملازمة لهم ومعهم ، كما نقرأ - في هذا المعنى - أيضا الآية : 171 ، من سورة النّساء ، في شأن عيسى بن مريم ؛ إذ تقول الآية : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ . واحتمل بعض المفسّرين أنّ المراد من كَلِمَةَ التَّقْوى : ما أمر اللّه به المؤمنين في هذا الصّدد . إلّا أنّ المناسب هو « روح التّقوى » الّتي تحمل مفهوما تكوينيّا ، وهي وليدة الإيمان والسّكينة والالتزام القلبيّ بأوامر اللّه سبحانه ، لذا ورد في بعض الرّوايات عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّ المراد ب كَلِمَةَ التَّقْوى هو كلمة : لا إله إلّا اللّه . وفي رواية عن الإمام الصّادق عليه السّلام أنّه فسّرها بالإيمان . ونقرأ في بعض خطب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قوله : « نحن كلمة التّقوى وسبيل الهدى » . وشبيه بهذا التّعبير ما نقل عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام قوله : « ونحن كلمة التّقوى والعروة الوثقى » . وواضح أنّ الإيمان بالنّبوّة والولاية مكمّل للإيمان بأصل التّوحيد ومعرفة اللّه ، لأنّهما جميعا داعيان إلى اللّه ومناديان للتّوحيد . وعلى كلّ حال فإنّ المسلمين لم يبتلوا في هذه اللّحظات الحسّاسة بالحميّة والعصبيّة والنّخوة والحفيظة ، وما كتب اللّه لهم من العاقبة المشرقة في الحديبيّة لم تمسسه نار الحميّة والجهالة ، لأنّ اللّه يقول : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها . وبديهيّ أنّه لا ينتظر من حفنة « جماعة » خرافيّة وجاهليّة وعبدة أصنام سوى حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ غير أنّه لا ينتظر من المسلمين الموحّدين الّذين تربّوا سنين طويلة في مدرسة الإسلام مثل هذا الخلق والطّباع الجاهليّة ، وما ينتظر منهم هو الاطمئنان والسّكينة والوقار والتّقوى ؛ وذلك ما أظهروه في الحديبيّة ، وإن كان متوقّعا من حادي الطّبع والمزاج أن يكسروا هذا السّدّ المنيع بما يحملوه من أنفسهم من ترسّبات الماضي ، وأن يثيروا الضّوضاء ، غير أنّ سكينة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ووقاره كانا كمثل الماء المسكوب على النّار فأطفأها . وتختتم الآية بقوله سبحانه : وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ، فهو سبحانه يعرف نيّات الكفّار السّيّئة